طباعة
المجموعة: الكاتب جمال علي الحلاق
الزيارات: 635

يأخذني التفكير في البعد الدلالي للعلامة الفارقة، وكيف لفضائها أن يتّسع ليشمل أحداثاً تاريخية عامّة أو شخصية جدّاً، وأراني مأخوذا للحديث هنا عن تجربة محاذيةٍ، لكنّها لا تبتعد عن أن تكون مفتاحاً آخر لقراءة ما أنا في صدده.

***

منذ سنوات حرب العراق / إيران (1980 – 1988) بدأت عملية إختزال العراق إعلاميّاً بشخصيّة صدام حسين، وبلغت ذروتها في سنوات الحصار ما بين (1990 – 2003 )، وكأنّ صدام حسين هو العلامة الفارقة لبلد بأكمله؟! هل يمكن لفرد أن يختزل شعباً وتأريخاً حيّا ؟ إن كان ذلك يمكن أن يحدث ضمن الإعلام الداخلي لنظام دكتاتوري، فمن غير المعقول أن يتمّ تبنّيه عالمياً، لكن، هذا ما حصل حقّاً، لقد وجدنا أنفسنا– كشعب - عالقين بفخّ عالمي، سقطنا في شبكة عنكبوت هائلة مكتوب على واجهتها (مجلس الأمم المتّحدة)، تمّ تغييب تاريخ أكثر من عشرين مليون إنسان عراقي بقرار لا أخلاقي، وغير متحضّر أيضا، قرار جعلنا مسجونين داخل إرادة وهميّة، بل فزّاعة حسب رؤية الفنان التشكيلي حيدر عباس، فزّاعة لا تكفّ عن التنازل والإستسلام، تلك هي إرادة صدّام حسين. لم يكن ليمثّل وجودنا حقّاً، ومع هذا فقد كان وجهنا الإعلامي. أُجبِرنا على أن نكون هو عالميّاً. أُجبِرنا على تبنّيه كعلامة فارقة تخصّنا. رغم أنّه لم يكن إلا العلامة الفارقة للنظام العالمي الذي زرعه في حقولنا.

***

كنتُ في الرابعة عشر من العمر حين بدأت الحرب مع إيران (1980 )، ولثماني سنين كنتُ محاصراً بمشهد سيارة تكسي تحمل تابوتاً. كنتُ أراني جثّة تمشي بانتظار من يضعها في تابوت على تكسي. كان صوت الفزّاعة يهدر عبر قنوات الإذاعة والتلفزيون: "كلّ عراقي هو مشروع استشهاد"، وكنّا نرى أنفسنا "مشاريع عزاء" بحسب تعبير الشاعر عباس اليوسفي.

***

مات لي أصدقاء كثيرون قبل أن تنتهي الحرب. وخرج بعضهم منها ناقص الأطراف – سواء أكانت عليا أم سفلى -، أذكر أنّ أحد أصدقائي- الذين التقيتهم بعد سنوات من الحرب - أراني كيف أنّ الشظيّة حفرت جمجمته وأصبح غير مسؤول قانونيّاً عن خمسة بالمئة من سلوكه، أراني الأوراق التي يحملها كهويّة شخصيّة وهو يقول مبتسماً: " بهذا التقرير الطبّي يحقّ لي أن أقتل خمسة أشخاص من كلّ مئة، سأعمل على تنظيف الحياة منهم".

***

ذات يوم حاولت أن أحيّي أحد الأصدقاء بعد سنوات من الحرب أيضا فاعتذر خَجِلاً قائلاً: "الشظيّة التي اخترقت الجمجمة أكلت ذاكرتي"، لقد خرج من الحرب وكأنّه خرج من الحياة.

***

أذكر أنّ أحد أصدقائي المقرّبين لي - أيّام كنّا معاً في الصف الثاني والثالث المتوسّط – كان اسمه (حسن عواد)، لم يكن ذا صوت يمكن أن يُصْغى له، ومع هذا فقد كان لا يتوقّف عن ترديد أغاني عبد الحليم حافظ وميّادة حنّاوي، كنتُ أُصغي له على مضض، لكن في طريق عودتنا من المدرسة الى البيت كان يفصلنا نهر خريسان فنكمل مشينا كلّ على ضفة، وهناك كنتُ أصيح: "إنّ أنكر الأصوات لصوت حسن عواد"، فكان يتوعّدني على الغد، لكنّنا في الغد نلتقي كصديقين حميمين، فيغنّي وأُصغي منتظراً عودتنا الى البيت لأصيح من ضفة النهر الجملة ذاتها.

***

صديقي الحميم هذا كرهني لأنّه أوغل في الحرب عميقاً، رأى الموت، بل رأى كيف يتآلف الإنسان مع الموت حين يكون حضوره مفرطاً. كرهني لأنّني واصلت الدراسة لأكثر من خمس سنوات بعد التحاقه بالحرب. كان مُضمّداً، وكان احتكاكه بالأجساد المتناثرة أطرافها مشهداً مألوفاً ويوميّاً. كرهني لأنّي – كما كان يقول - لم أعرف الحرب كما هي، بل بقيتُ أتابعها بشكل مهذّبٍ أو مرّوضٍ على شاشة التلفزيون. كانت الحرب فيلما وثائقيا بالنسبة لي، أمّا بالنسبة إليه فقد كان أحد شخوص هذا الفيلم الكارثي. في عام (1987)، قلت له: "سألتحق بالحرب قريباً "قال بفرح : "يالله، لقد شبعنا موتا". لكنّه قُتِلَ قبل أن ألتحق حقّاً. هذا الصديق المقرّب جدّاً كرهني بالرغم منه، كان وجودي بعيداً عن الحرب يُنْمِي لديه إحساسه بالغبن، لماذا هو وليس أنا؟ أو لماذا هو وحده وليس كلينا؟ مات قتلاً وهو في الثانية والعشرين من العمر. بقي مثل علامة فارقة في الذهن ، علامة اتّهام على جرم لم أقم به. وعليّ في نفس الوقت أن أتفهّم ذلك، وأن أغفر لصاحبي قسوته.

***

هكذا كنّا نتعامل مع قرار مجلس الأمم المتّحدة في حصارها وتجويعها للعراق طيلة إثنتي عشر عاما (وأنا هنا أقصد الجوع المعرفي، الجوع الإنساني قبل الغذائي).

إنّهم لا يقصدوننا تحديداً كشعب، بل يقصدون الحكومة، لكن، أن يقرّر العالم المتحضّر عزلك وإقصاءك ليس عن الحضارة فقط، بل عن التاريخ أيضا - كشعب كنّا مقصيين خارج التاريخ، وكان صدام حسين هو كلّ ما يربط العالم بالعراق - ألا يبقى هذا القرار علامة فارقة وصارخة على عدم تحضّر صنّاع القرار في مجلس الأمم المتّحدة؟

ألم يكونوا الوجه الآخر لصدام حسين؟

لقد كنّا - كشعب - واقعين في الأسر، أسر البشاعة التي تتحكّم بدفّة العالم البشري، وكأنّني هنا أدين صاحبي بعد ثلاثين عاماً على مقتله، فأنا لم أكن سبب الغبن الذي أكل عليه حياته.