طباعة
المجموعة: الكاتب جمال علي الحلاق
الزيارات: 771

لا أذكر منذ كم وحياتي تطفو على سطح الماء، لم أشعر بقبح الشمس وصلافتها إلا على سطح هذا الزورق المتآكل، لا نجاة منها ولا ظل، ونحن العابرين - في غفلةٍ من العالم - مثل سمك يتعفّن على سطح المركب. أغمض عيني كما لو أنّني أجلس في اللهب.

***

في المحيط يتوقّف الزمن، والمسافة بين الدخول فيه والخروج منه تشبه تماماً إدخال الرأس في حبل المشنقة وانتظار العفو أو الإعدام.

***

زمن لا ينتمي للزمن، مثل جنين في رحم، جنين مكتمل، وبينه وبين الإختناق ألا يستجيب الجسدُ للولادة. لقد عشتُ الإختناقات كلّها، لكنّني أبدا لم أعرف توقّفا للزمن كهذا.

***

نُغطّي رؤوسنا بما نملك من ثياب، أرى العرق يتبخّر، والأنفاس تسخن أيضا، كلّ شيء يغلي حتى الأدمغة، شيء ما يشبه الإغماء، كما لو أنّ الوقت مُغمىً عليه.. لا شيء غير الشمس تمارس صلفها الى أقصى ما تستطيع.

***

فجأة يبدو الأفق كما لو أنّه ثابت هناك، هناك بعيد جدّاً، بل يبتعد كلّما إشتدّت حرارة الشمس.. ماء المحيط يُشبه لعابَ مجنون. كلّ ما حولنا يدعو الى الغثيان.. أفضل ما تقوم به لحظة صعودك الزورق هو أن تتخلّص من أيّ شيء يصلح لحساب أو قياس الوقت.

***

الزورق يطفو مثل بعير تائه في صحراء. هذه الشمس لا يمكن أن تكون حارقة الى هذا الحدّ إلا هناك، فهل المحيط توأم الصحراء؟ هل أنا أهذي؟ هل هذا جزء من غليان الدماغ ؟ هل الماء توأم الرمل؟

***

أسترسل داخل هذياني، أشحط أنفاسي كما لو أنّني أشحط جسدي المنهك، الإنهاك من عدم التحرّك؟ لقد عرفتُ هنا أنّ السكون أثقل من الحركة، ألهذا خُلِقَ السجن؟

***

لا رغبة لي في الحوار، هذا الشاب الذي يتقرفص الى جواري يبدو فاقداً للبوصلة.. عيناه تطوفان حول الشمس.. بينما شفتاه تتحجّران عطشاً. لكلّ منّا قصّته، ولقد أحسستُ خوفاً داخل كلّ منّا. الكلّ يريد التكتّم، ثمّة أسرار يتمّ دفنها وإلى الأبد. تعتيم تامّ على الماضي. محاولة في النسيان، لكنّها أيضا تنمّ عن خوفٍ وقلقٍ من الآخر. يمكنك أن تتحدّث عن أيّ شيء إلا عن الماضي، هكذا يبدو الذين على سطح المركب أشجاراً مقطوعة ولا رغبة لديها بالجذور، هل يمكن لشجرة أن تعيش بلا جذر؟ يتصاعد مفهوم الوطن.

***

الكلّ في حالة غثيان إلا الشمس فإنّها وبصلف جارح تّتخذ أجسادنا صالة للرقص.

***

طفل يبكي عطِشاً، أُصغي لأمّه وهي تقول: "سنصل قريبا"، يبكي أكثر وأعلى، تبكي معه، يلوذ الجميع بصمتهم. الكلّ يتقنفذ على قطرات الماء التي يحتفظ بها، هي تبلل بإصبعها شفتيه، يدير رأسه بعيدا. أريد أن أعطيها شيئا مما لديَّ فلا أستطيع، لعلّها تمتلك أكثر مما لدي، هي أمّ وتتعامل مع الماء بأمومة عالية جدّاً.

المرأة أكثر حنكة في الإقتصاد، لكن ماذا عن الأنانية التي بدأت تنمو في داخلي منذ لحظة صعودي الى هذا الزورق؟

***

بعضهم يتحرّك قليلا، وهناك من لم يتحرّك أبداً إلا الى قضاء حاجة، ومع الوقت، مع التوقّف عن التغذية تنتهي حاجتك الى قضاء الحاجة أيضا.. يبدأ كلّ شيء بالتقنفذ، يتقنفذ جهاز الهضم والحركة، لا يبقى سوى دوران الدم والتنفّس، وفي شمس مثل هذه يحاول الجسد إستنشاق أقل كميّة من هواء ساخن.

***