طباعة
المجموعة: الكاتب سعد الدغمان
الزيارات: 1265

يرجع نهار حسب الله معظم مضامين كتاباته الى الواقعية الرمزية ويعلل ذلك الى أن التجربة الواقعية هي التي تقرب الكاتب من المتلقي، حين ينقل معاناة حقيقة ، لذلك فان الأزمات تخلق أدباً حقيقياً صادقاً يصل قلب القارىء دون مساعدة من أحد أو دون تعثر.

أسس لمشواره الأدبي بمساحة واسعة من البوح والحرية مما جعل نصوصه تتصف بحرية التعبير دون قيود، يرتب نهار أفكاره باسلوب رشيق ليدفع بالفكرة الى القبول دون عراقيل قد تقف في طريق إيصال مضامينها للقارئ، انتهج كتابة جنساً أدبيا محبباً شيئاً ما الى المتلقي كونه يواكب الحداثة اعتمد فيه كثافة ودقة الأفكار بأقصر الطرق واقلها، فالمتلقي اليوم لا يميل الى الإطالة كما في السابق، لذلك وجد نهار حسب الله متابعين كثر لأسلوبه في الكتابة.

عمد لاستخدام الرموز والإيحاءات، دون أن يلزم نفسه بانتهاج أسلوب ثابت في الكتابة أو حتى الاقتصار على جنس معين أو شكل واحد من أشكال القصة، فجاء نتاجه متنوعاً في القصة والرواية التي ولج عالمها بعد أن عرف في الوسط الأدبي بكتابة القصة القصيرة جداً.

معظم القصص التي تناولها نهار بالكتابة جاءت تعبيراً عن فكرة فرضت وجودها عليه، فذهب معها الى أقصاها ليحيلها الى سطور مليئة بالحركة الدرامية متسقة بقالب السرد الذي تناول في حبكته.

اغلب ما كتب فيه نهار طغت عليه مسحة من الحزن العميق، تحدث فيه عن الموت بأشكال عدة وكان قصصه كانت عبارة عن مرثيات جسدها في قالب درامي شيق، بعض قصصه التي نقرأها توحي لنا بأنها قصيدة نثر، فهو أقرب لهذا النهج فيها من القصة كما في (حداد الجسد).

التي كثف فيها عبارات الرثاء بصورة معبرة عن حزن عميق جداً ضمنه النص، ليوحي من خلاله للقارئ بأن الحزن الذي اعتراه هو تعبير عن شجنه باغتيال حبيبته.

حداد الجسد

غرزتُ آخر مسمار في نعش قلبي.. شيعته وسط عويل جسدي.أمطرت العيون دموعها، وناح الفكر من هول الفاجعة.. وأفرز أنفي أنفاساً ساخنة جففت شفاهي وأرغمتها على التزام الصمت، ومضغت الأسنان اللسان، فيما ارتجفت أطرافي وغدت تلطم على نحو هستيري.. وعلى الرغم من هذا كله كنت منهمكاً في البحث عن مَدفن يليق بقلبي الراحل، ولم أجد حيزاً يليق به إلا صدر حبيبتي المُغتالة.

يكتب نهار حسب الله بحثاً عن الحرية، لذلك تجده يستخدم بعض التعابير القاسية المخيفة وبأسلوب مباشر ليصل الى مفهوم تلك الحرية التي يريدها منهجاً للحياة بكل تفاصيلها، في كل كتاباته لم يخرج من المأساة التي تعرض لها العراق، حتى وأن صورها بصور مختلفة لكنها محسوسة في نصه وبشدة، غلا انه ذهب الى تناولها باسلوب مغاير ربما في بعض النصوص.  داخل في كثير من قصصه مابين الواقع والخيال، وانطلق من تصورات ربما لم تكن واقعية ليدخلها في باب الخيال الذي يكتب فيه ويعالجه من خلال تقلبات السرد ليكمل حبكة القصة التي يكتبها.

أشلاء من السماء

غادرنا فصل الشتاء كما المهاجر، ساحباً برفقته غزل الأحبة وأناشيد المطر وغيوم السماء وأمطارها وأدعية البسطاء وصلوات الاستسقاء.إلا أن انشقاقاً غريباً حصل بين الغيوم، وقسمها بين الرحيل و البقاء. وسرعان ما هطلت الغيوم المعارضة زخات مطر ثقيل ومخيف أحال سكان المدينة إلى الجحيم.

كانت السماء تروي كل من على الأرض. جثث وأشلاء بدلاً من قطراتها الندية الأليفة.. مما دمر الأشياء كلها جراء فضيان الجثث المتساقطة من السماء.

إلا ذلك الغصن الذي أعلن انشقاقه هو الآخر، وبدأ ينمو من دون رعاية من انتصر على الهلاك، ولكنه بقي إلى اليوم مجهول الاسم والهوية.

منح نهار حسب الله قارئه اهتماماً واسعا من خلال انتقاء مفرداته التي كتب بها قصصه وصاغ من خلالها حبكة القصة بصورة متقنة جميلة، ما يعني أن نهار كان بعيدا عن تزويق الكلام والإطالة والحشو، لذلك وصفناه بأنه استخدم الصيغة المباشرة في الكلام وعززه بالواقعية التي دفعته الى التركيز على استخدام كل عناصر بناء القصة بصورة صحيحة ومحسوبة ودون إفراط.

ومن خلال ما تناول ذهب لتفعيل الإحساس لدى القارىء عبر الانتقاء الدقيق لما يدفع له من نصوص لا تشتت تفكير أو ذهنية القارىء بل تركز على حدث معين لكن بأدوات مختلفة وشيقة.

الموت لمرة واحدة

أراقب الساعة وحيداً، وأمني نفسي ألا تتقدم عقاربها، بعد أن تعبتُ من مرثون اللحاق بها لأمد طويل. أطالبها بالتريث قليلاً، وأدعوها لاستراحة آنية، علها تبقي الزمن على حاله.. إلا أنها كانت عجولة أكثر من ذي قبل، ربما لأنها تعرف أن الدقائق القادمة تُبشر بذكرى عيد ميلادي.

فَكرتُ ملياً بأيام عمري  ومخاوفي وانفعالاتي، وأزماتي وجوعي وصبري.. حتى أدركتُ بأن الموت لا يأتي لمرة واحدة، واستعجلت استكشاف أنفاسي، فوجدتها طبيعية بين الشهيق والزفير على الرغم من فقداني الإحساس بالحياة.

توجهت إلى المرآة لإبصار وجهي، إلا إنني لم أجد ملامحي ولا ما يمثل وجودي في هذا العالم على الرغم من تسارع أنفاسي وتعاطف الساعة واستراحتها بداعي ضعف البطارية.

داخل نهار التمني والتخيل مع الواقع في أكثر من موقع ما أضفى على نصوصه بعدا قد لا نجده في نصوص الآخرين من الكتاب، أتاح من خلاله لخيال القارىء مساحة من التأمل دفعته الى تصور مجريات أحداث القصة عبر ذلك التصور، ومن ثم مقارنة ما توصل إليه مع حقيقة ما كتب نهار، ليشغل حيزا واسعا من تفكير المتلقي وينمي لديه ملكة التصوير التخيلي لمجريات الأحداث في الحبكة القصصية التي كتبها نهار حسب الله.

رقصة الموت

دموع الناس وعويلها يسبق الجنازة الى مثواها الأخير.. والأجساد تمرغ نفسها بالأرض حزناً على ذلك الشاب العشريني الذي رحل من دون رجعة.

الجميع يتحسر بصمت أعمق من صمت المقبرة وأكثر خوفاً من وحدتها وخصوصيتها المرعبة، إلا أم ذلك الشاب كانت تزغرد وترقص فوق جثمان وحيدها، وتطلب المعزين بالتصفيق الإيقاعي

عندئذ تنبه الجميع لقوة قلبها وصبرها وإيمانها بالقدر.. من دون أن يدركوا أنها كانت قد دفنت عقلها قبل جثمان وحيدها.

كما استطاع نهار عبر ما جاء به من دلالة واضحة في نصوصه أن يعمل على تركيب صوره التي عمل عليها لينجح من خلالها في تشكيل الفكرة والحدث، وهما الجزء الأوفى والأكبر من مجريات القصة أو الدراما النصية،بل أبرز عناصر تكوين العمل الأدبي. فحين تمتلك الفكرة والتصور عن الحدث بشكله الواقعي ليكون من المتيسر على الكاتب أن يجسد ذلك دراميا ليخرج بنص مكتوب وفق ما أراد وتصور من شكلية الحدث أو صورته، لذلك عمد نهار الى تشابك الفواصل والتقاطعات في متن النص ليصل الى جوهر القصة أو مضمونها بطريقة سلسة، ثم يعمد الى نهايات واضحة معبرة عما دار من تفاصيل داخل المتن.

معظم قصص نهار حسب الله امتلك فيها حسا متفرداً خلق من خلاله هويته الفنية والأدبية، واستطاع أن يمزج كثير من المشاعر عبر حبكة متقنة أوصلها نهار بفنية رائعة لتجسد لنا نهايات مقبولة اتساقاً مع التفاصيل رغم إنها كانت ملئية شجن وآسى.

يطيب لها

كي لا أنسى وأشطب من الذاكرة، وقبل أن أصفر وأذبل وأتساقط كأوراق الشجر.. عَمدتُ على توصيف مكان قبري لحبيبتي، وتوسلتها أن تحفره بأناملها الأنثوية، على أمل أن لا تهجرني في وحدة الوحشة والخوف.. ولا تتركني نائماً من دونها هناك. إلا أن المكان طاب لها، فارتمت واسترخت ونامت هناك، وسرعان ما غبتُ عن ذاكرة الجميع.. وتحولت دنياي بوسعها الى قبر ضيق معتم مغبر.

نهار حسب الله يحيى قاص وروائي عراقي من جيل الشباب ولد في بغداد 1989، صدر له العديد من المؤلفات منها:

فيما حولت عدد من قصصه الى أفلام سينمائية قصيرة ونذكر منها ( صرخة ساعة).