طباعة
المجموعة: الكاتب يوسف الموسوي
الزيارات: 983

على ساق واحدة يفترش الرصيف في العشار ليبيع الملابس، في مهنة بعيدة عن اختصاصه الاصلي، ليسد رمق عياله، فهو نسي ولم يعد أحد يتذكره ولو بشربة ماء، إلا القليل من اصدقائه المقربين.
ذلك هو حال الشاعر سعدون باني البهادلي، الذي يسكن محافظة البصرة الذي احتفت به العرب في مهرجاناتها و وقفوا للسانه اجلالا، يجلس على قارعة الطريق ويقضي جل وقته في مكان اتخذه ملتقى الادباء لنفسه، متجاهلا لغة السوق التي لاتشبه لغته الاديبة. 
وبعد أن كان يرد على القصائد بمثلها، امسى يرد بلغة اخرى على تحذيرات الشرطة باخلاء مكانه الذي لايحسد عليه، واضعاً ساقه الاصطناعية جانباً وقد أعياه مرض السكري. 
ولد البهادلي عام 1955 في البصرة، وتخرج من مركز التدريب المهني للبحرية، وهو من منطقة الجمهورية التي اثرت الساحة الادبية بالكثير من المدبعين امثال كاظم الحجاج، وسعدون البهادلي، ومديح صدام، والدكتور فالح كامل المنصوري، والدكتور عبد الواحد المنصوري، وجملة كبيرة من مبدعي ومثقفي البصرة.
ويندب البهادلي حاله اذ انه لم يحظ برعاية الدولة رغم ما لاقاه على يد النظام السابق من "ظلم" إبان الانتفاضة الصدرية عام 1999 حيث سجن الى جانب ثلاثة من اشقائه وهدم بيته، واعدم اخوه ليث البهادلي في 18 / 4 / 1999، كما أن حاجيات منزله سلبت بالكامل انذاك. ويؤكد البهادي أنه لم يجد اهتماماً رسمياً ابتداء من رأس الهرم و وزارة الثقافة الى المكتب التنفيذي لاتحاد ادباء البصرة، عدا زملائه الادباء، ويخص منهم بالذكر عبد الكريم العامري، وعلي الامارة، والدكتور فالح المنصوري، وعبد الواحد المنصوري، والدكتور فهد محسن فرحان الناقد الكبير، وجملة كبيرة من الادباء وقفوا معي في المستشفى.
ويصف مامر به البهادلي قال بحزنه عميق"مررت بمعاناة لن تمر على اديب عراقي ولاعربي، وبترت ساقي بسبب السكري"، والان امتطي الرصيف لأعيل عائلة كبيرة، ولا احتاج لأي شخص رسمي، عدا شريحة المثقفين وزملائي المبدعين.
وبين: أنه ضد الجانب الرسمي، فالحاكمين نيام ومشغولين عنه بحجة الوفود والاستثمار، ولم يوفق بمقابلتهم، الامر الذي دفعه الى تمزيق طلب المواجهة.

وفيما يتعلق بالمنجز الابداعي، يبين البهادلي ان لديه اربعة دواوين مخطوطة، تحتاج طباعتها اربعة ملايين دينار، ودراسة عروضية كبيرة ايضا قيد الطبع، وله ترجمة ضمن معجم البابطين وشعراء العرب المعاصريين، وفاتحته عدة مؤسسات ثقافية منها مؤسسة الخوئي ومقرها لندن، ومؤسسة الماجد في دولة الامارات العربية، حيث راسلوه عدة مراة طالبين كتاباته، لكن المراسلات كانت في زمن الطاغية.

ويتذكر البهادلي بيتنا جميلاً عن قدمه اليسرى التي بترت، يقول فيه:
ما زال خطب الموت فوق رمادها
والذنب ذنب الحاكمين فنامي
اذنت عقاربها ونآء بي الهوى
وعقاربي سود العيون ضوامي
هي معبر للريح شط مزاره
ومزارها يوم الطفوف أمامي
متنفس للريح بات مغاليا
والموت دون المنخرين زؤام
وهي قصيدة طويلة ذات شجون.

ويكمل البادلي حديثة قائلا:

هناك تهميش للشاعر سعدون البهادي وشعراء آخرين يتجاوزن الـ(150) اديباً، والاسماء المعروفة على الخارطة الادبية في الوطن العربي وحتى العالم، واصفا اياهم بأنهم "محاصرون، ومهمشون".

ويمضي بالقول: أنا ممتعض لما آلت اليه الامور من الوضع الثقافي والتهميش الذي اتعرض له وزملائي من قبل المؤسسة الثقافية، والبعض يتخذ التسقيط وسيلة لابعاد الاخرين، حيث اتهمت باني كنت في منصب فريق ركن في الوقت الذي قضيت فيه عسكريتي جنديا في القوة البحرية.
وبشأن وجود قاعة عتبة بن عزوان التي شهدت نشاطات ثقافية عديدة أمام "بسطية" البهادلي، قال:

غادرتها منذ السقوط ولم ادخلها سوى مرة واحدة.
وللبهادلي عائلة مكونة من سبعة اشخاص استطاع تخرجهم و وصولهم مراحل دراسية عليا، ويبين البهادلي:

ان أبنتي وديان تخرجت كمدرسة رياضيات، والأبن الاخر حيدر تخرج هذه السنة علاوة على تخرج اثنين من بناتي من دراسة الثانوية وهما في طريقهما الى الجامعة، وانا سعيد جدا بحياتي.

ويستمر البهادلي بحديثه حول الحكومة، قائلا: انها بعدية كل البعد عن الثقافة العراقية، وهي لاتهتم بذوي الاحتياجات الخاصة، متسائلا عن المليارات التي تصرفها الحكومة على المشاريع وتهمل جوانب اخرى، فالامر بنظره يحتاج الى ايقاض الضمير.

ويستذكر شقيقه الشهيد ليث البهادلي بقصيدة عنوانها (الشهادة في مملكة الفقراء).

وتوقف كثيراً قبل أن يقرأ ابياتاً منها ثم ما لبث أن قال:
كريم القوم اتعبني الخطاب
فلا باب يدق ولا جواب
شفيعي والديار اليك حنت
وربك ما استقام بها الخراب

رثيتك مؤنسا وجليس همي
فمال الحمل واشتغل الضراب
تفردك الحمام وانت غض
كطود لا يشيب ولا يشاب
فيا حصن العشيرة نم قليلا
فنومك باطل،

هتك الحجاب
ويا سر المقابر حين تغفو
تلوذ بها المحارم والكلاب.
ويؤكد البهادلي، أنه ليس بحاجة أي شخصية كانت في الدولة، رغم أن ساقه مبتورة والاخرى في طريقها للبتر، قائلا:
"أنا أمر بجهاد أكبر، وأعيش فيه سعيدا"